الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

9

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

الألبسة قد تغيرت وتنوعت تنوعا بالغا عبر الزمن ، فقد كانت الثياب تلبس فيما سبق - وفي الأغلب - لأجل حفظ الجسم من الحر والقر وكذا للزينة والتجمل ، والجانب الوقائي كان يأتي في الدرجة اللاحقة ، ولكن في ظل الحياة الصناعية الحاضرة أصبح الجانب الوقائي في المرتبة الأولى من الأهمية في كثير من الحقول ، فرجال الفضاء ورجال الإطفاء ، وعمال المعادن والمناجم والغواصون ، وغيرهم كثيرون ، يستخدمون ألبسة خاصة لوقاية أنفسهم من مختلف الأخطار . لقد تطورت وسائل إنتاج الألبسة والثياب في عصرنا الراهن تطورا هائلا ، واتسع نطاقها اتساعا كبيرا ، بحيث أصبح لا يقاس بما مضى . يقول كاتب تفسير المنار في المجلد الثامن عند تفسير الآية المبحوثة هنا : " لقد بلغ من إتقان صناعات اللباس أن عاهل ألمانية الأخير ( قيصرها ) دخل مرة أحد معامل الثياب ليشاهد ما وصلت إليه من الإتقان ، فجزوا أمامه عند دخوله صوف بعض كباش الغنم ، ولما انتهى من التجوال في المعمل ومشاهدة أنواع العمل فيه ، وأراد الخروج قدموا له معطفا ليلبسه تذكارا لهذه الزيارة ، وأخبروه أنه صنع من الصوف الذي جزوه أمامه عند دخوله ، فهم قد نظفوه في الآلات المنظفة ، فغزلوه بآلات الغزل ، فنسجوه بآلات النسج ، ففصلوه فخاطوه في تلك الفترة القصيرة ، فانتقل في ساعة أو ساعتين من ظهر الخروف إلى ظهر الإمبراطور " . ( 1 ) ولكن - للأسف - قد اتسعت الجوانب الفرعية ، بل وغير المحمودة والفاضحة للثياب والألبسة وتعددت كثيرا إلى درجة أنها غطت على الفلسفة الأصلية للباس . لقد أصبح اللباس - اليوم - وسيلة لأنواع التظاهر ، وإشاعة الفساد ، وتحريك الشهوات ، والتكبر والإسراف والتبذير ، وما شابه ذلك . حتى أننا ربما نشاهد

--> 1 - المنار ، ج 8 ، ص 359 .